حتى لا يكون الخطاب السيادي أحول ،و غطاء للاستبداد . القوى الخارجية الأكثر تأثيرا في القرار التونسي منذ عقود هي:فرنسا أساسا، وهي الدولة العميقة للسياسة التونسية في كل تفاصيلها. ثم الجزائر لاعتبارات الاستقرار الداخلي وصراع الزعامة على الإقليم. ثم الولايات المتحدة في قضايا استراتيجية لإدارة العالم وموقفها حاسم في بعض المحطات.
فموقف هذه القوى وغيرها من سعيد:(ما يتم التعبير عنه علنا بلغة دبلوماسية ،وما يتم التعبير عنه بوضوح في الكواليس)، هي ليست ضده ولكنها لا تعتبر طرفا يمكن الاطمئنان في التعامل معه ،ويتم وصفه بصفات لا تقبل من جهة خارجية، ولكنها للاسف صحيحة .
وموقف هذه القوى من الانقلاب كانت على علم به، وزكته .
ولكن يبدو ان صاحب الانقلاب "خرج على النص "،إذ كان المطلوب مسك البلاد ،و إزاحة الائتلاف الحاكم ،و إيجاد صيغة للتشارك في إدارة المرحلة (ومن هنا نفهم غضب بعض الأصدقاء الذين خولتهم هذه القوى المتدخلة مسؤولية قيادة حوار 2013).
ورغم هذا الخروج عن النص هل كانت هذه القوى ضد المسار الذي حصل طيلة السنة ؟
أيضا، هذه القوى (خاصة فرنسا /أوروبا، والولايات المتحدة )ربطت علاقة مع المعارضة للتنويم ،والتحسب لما قد يقع في المستقبل ،وللضغط على سعيد .
ولكنها أثر كل خطوة يتخذها سعيد للتوغل في انقلابه تصدر موقفا طريفا تندد فيه بما حصل ،و لكنها تدعو إلى التوجه المستقبل واعتماد التشاركية (وهي تعرف انها لن تحصل )،وهذه تسمى سياسة "فسح المجال ".
لماذا سياسية فسح المجال هذه ؟
القوى الخارجية محتاجة إلى نظام سياسي برأس واحد، فذلك أيسر في التعامل ،و أيسر في إمكانية التحكم فيه(صناعة شخصية صديقة وتصعيدها أيسر من التأثير في خارطة برلمانية معقدة ). وفي نفس الوقت هذا النظام الرئاسي بتحديده لصلاحيات البرلمان والسلطة المحلية يساهم في إضعاف التأثير السياسي "للاسلام السياسي " دون اللجوء إلى جهاز الأمن وماكينة القضاء. واخيرا وليس آخرا، اضعاف تحكم الاتحاد العام التونسي للشغل في الدولة .
وهذه الأهداف الثلاثة المطلوبة من سعيد الذي قد يكون في هذه الاستراتيجية مجرد فاعل عرضي .
فهل كانت هذه القوى ضد الاستفتاء رغم وضوح النص والمنهجية ؟
لا، لقد مارست سياسة فسح المجال ،وحتى التشجيع. ولا يتصور عاقل أن اعلان مسؤولي صندوق النقد في بداية جويلية عن انطلاق مفاوضات واعدة لم يكن هدية بدفع من المسؤولين الكبار .
اما الرئيس الجزائري فقد دعا علنا إلى إنجاح الاستفتاء (لا اعرف كيف تصنف هذه الدعوة الصريحة في سلم التدخل الخارجي ).
فموقع تونس، بطبيعته ، هش في خارطة الرهانات الدولية لاعتبارات بنيوية تتعلق بالحغرافيا وبالديموغرافيا وبالموارد. وتقوية موقعنا إنما يكون من خلال تصليب الجبهة الداخلية .
وكل من أضعف الجبهة الداخلية ساهم في رمي البلاد في سوق المزايدات الدولية.
وكل من أضعف الجبهة الداخلية ساهم في رمي البلاد في سوق المزايدات الدولية.
ونشدد على دور ثلاثة أطراف، حسب الترتيب:
▪︎قيس سعيد لتوهمه إمكانية انقاذ البلاد منفردا .
▪︎اتحاد الشغل الذي طمع في ركوب الموقف الدولي و التحكم في الانقلاب،والطمع سيخرجه من المعادلة .
▪︎المتنفذون في النهضة الذين رفضوا اي نقد ذاتي ذي معنى ييسر المصالحة مع الجمهور العريض و توسيع جبهة المعارضة .
حقيقة الموقف الخارجي من الاستفتاء
سيبتزه في في مضمون المفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية،و سيفرض عليه تمرير "الإصلاحات الموجعة"،وتتوقع وكالة فيتش للتصنيف الائتماني ،والخصومة لا تزال على أشدها حول مصداقية الاستفتاء أن " تتوصل تونس لاتفاق مع صندوق النقد الدولي في النصف الثاني من 2022 مع استمرار رغبة المقرضين الرسميين في دعم البلد بعد الموافقة على الدستور الجديد "،وترى "انه من الممكن ان يتم هذا الاتفاق دون الاتفاق مع النقابات باعتبار أن الدستور يوفر قاعدة اقوى لتحرك تشريعي"، "و تؤكد ان "الدعم الدولي لتونس مستمر بعد الموافقة على الدستور الجديد".
و سيبتزه في قضايا استراتيجية :
من طرف الجزائر الغارقة في حساباتها الداخلية وفِي صراعات الزعامة على الإقليم .
ومن طرف فرنسا المسكونة على الدوام بالمعطى الثقافي و بميراث الحروب الصليبية و تصفية الحسابات القديمة مع تركيا .
ومن طرف الولايات المتحدة الامريكية، ويكفي الاطلاع على افادة المرشح لتولي منصب سفارتها في تونس امام لجنة الكونغرس لنعرف طبيعة رهاناتها، ولنكتشف المزاوجة الذكية بين الجزرة و العصا،ولندرك حجم الألغام التي سيواجهها سعيد مكشوف الظهر بدون سند سياسي او مدني.
ويمكن تلخيص المقايضة التي يقدمها المسؤول الأمريكي في قبول التعامل مع الأمر الواقع ،و تقديم الدعم في المفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية، و تشجيع الاستثمار، ودعم حياد المؤسسات الصلبة، مقابل عدم انجرار السياسة الخارجية التونسية باتجاه روسيا و الصين ،و القبول بالتفاعل مع مسار التطبيع في المنطقة.
فإنّ رفض سعيّد للتشارك وتخريبه للجبهة الداخلية يجعل منه فريسة امام مطامع الخارج ،وان مؤشرات نجاح السيستام في ترويض سعيد هو استدراجه للتعويل على الخارج في مواجهة الشارع السياسي و في مواجهة شارع الغضب القادم .
وعار علينا ان نتسابق في تصديق من نعرف اننا لا نساوي عندهم جناح بعوضة ،و انهم يتلاعبون على تناقضاتنا.
وعار علينا ان نتسابق في تصديق من نعرف اننا لا نساوي عندهم جناح بعوضة ،و انهم يتلاعبون على تناقضاتنا.
ونصيحتي، نعم مع سياسة ترسخ السيادة الوطنية . ولا سيادة وطنية دون ديموقراطية، ولكن لا سيادة وطنية دون النظر لكل الاطراف المتدخلة .
لا استثني أحدا.
فأنا أطمح إلى اليوم الذي أرى فيه مجتمعنا المدني يتخذ "مويقفا " من فرنسا، وفي غياب ذلك أخشى أن يكون وراء الاكمة ما وراءها.
لا استثني أحدا.
فأنا أطمح إلى اليوم الذي أرى فيه مجتمعنا المدني يتخذ "مويقفا " من فرنسا، وفي غياب ذلك أخشى أن يكون وراء الاكمة ما وراءها.
وأما سعيّد ومن معه ،فعوض نص الإنشاء الذي نشرته الجهة المكلفة بالخارجية، أو التهديد باجتياح أمريكا، فهناك إجراء بسيط معتمد في الأعراف الدبلوماسية يتمثل في تعليق اعتماد السفير الجديد .
ملاحظة؛ لم أمتلك القوة للحديث عن التنظيمات العروبية و البعثية التي كانت أداة بيد أجهزة استخبارات أنظمة دمرت فكرة الوحدة وخربت شيئا اسمه الدولة.