الدراما الرمضانية ...صناعة إبداعية أم اثارة مجانية؟


مع بداية كل شهر رمضان تتجه الأنظار الى ما ينتج من اعمال درامية عبر قنواتنا التلفزية العمومية والخاصة في مسعى الى ادخال حراك على المشهد العام السائد في أيامه العادية والذي تطغى عليه الحوارات السياسية. هذه الحوارات التي أرهقت المشاهد لطبيعة محتواها وطريقة طرحها.وهو موضوع في حاجة الى التعمق ومزيد التحليل. لكن الذي يهمنا خلال هذه الفترة، هي هذه الاعمال الدرامية التي تقدم مع كل موسم بحثا على شد المشاهد وسعيا الى إعطاء جرعات مالية جديدة لخزائن فارغة نتيجة معطيات متعددة فيها الموضوعي وغير الموضوعي. وهي بالتالي تثير جدلا واسعا لدى الأوساط المستهلكة وكذلك الجهات الرسمية والهيئات الرقابية غير واضحة الأدوار في هذا الباب.

ومن هذا المنطلق فان أسئلة عدة تطرح أمام ما تمّ الاجماع بشانه بأن الاعمال الدرامية التونسية وخصوصا خلال رمضان تعيش أزمة متعددة الجوانب : غياب المنظومة الإنتاجية الدرامية المهيكلة، أزمة مادية خانقة حالت دون تقديم انتاجات جيدة، ضعف واضح على مستوى اعداد السيناريو والذي يعود الى تخلي الكفاءات الحقيقية عن الساحة، عزوف السلطة السياسية عن بلورة استراتيجية واضحة للارتقاء بالإنتاجات ذات الصلة وبذلك بقي القطاع يعاني من مشاكل متعددة اثرت على النوعية المطلوبة.

وانطلاقا من هذه الاستنتاجات علينا ان نطرح السؤال التالي: هل ان تلفزاتنا الباثة تخضع حقيقة الى معايير ومقاييس مهنية وعلمية على مستوى التناول المضموني الذي هو الأساس والذي ينطلق من أهمية التأكيد على الواقع بما فيه من ظواهر ومعالجته المعالجة السليمة على اعتبار ان الإعلام يقوم على ركائز ثلاث :الاعلام والتثقيف والترفيه. لكن من يقوم بالمتابعة الحقيقية لما يبث يرى ان هناك فوارق شاسعة بين ما يقدم وبين ما هو مطلوب ان يقدم وذلك لاعتبارات متعددة .

وبذلك فانّ اغلب هذه القنوات التي تبث يتولى الانتاج فيها عناصر لا صلة لهابالميدان  المهني الحقيقي على مستوى التكوين  الاكاديمي والتمرس بمجالاته  الابداعية والفنية دون السقوط في الرداءة مثل ما نراه حاليا  وهو أمر خطير بنعكس فعليا على نوعية وجودة المادة المقدمة :

  • بيع الأوهام دون إيجاد الحلول 

ان ما يبث هو عبارة عن انتاجات هجينة يتم نقلها بشكل مسقط على مستوى العناوين والمضامين دون القيام بالتشخيصات اللازمة على المستوى الاجتماعي والنفسي للجهات المتقبلة والتحاليل المعمقة للخصوصية التونسية وما يمكن أن يوفر لجمهور هو في غالبيته من الفئات التي تحتاج الى ابراز واقعها. لكن ما يحصل هو عبارة عن تلاعب بالعقول وتشويه للحقائق الماثلة ومحاولات للتأثير على عواطفها وتوظيف مشاكلها في المنحى الذي تريده القناة دون سعي الى ايجاد الحلول المناسبة اليها.

  • طغيان التهريج والسطحية على حساب جودة المضمون

ان الانتاجات التلفزية الدرامية في تونس خلال شهر رمضان يطغى عليها العنصر الموسمي والمناسباتي وفي معظمها لا تخضع الى إعداد حقيقي على مستوى إعداد  السيناريو على أسس مهنية وعلمية من اجل المساعدة على تصور انتاجي حقيقي بل هي صور للتهريج في سعي الى تحريك العواطف والمشاعر وابراز المسائل الحميمية ومشاغل اصحابها من اجل استقطاب عدد اكبر من الجمهور التلفزي لتحقيق غايات مادية صرفة عبر ما يمرر من إعلانات الاشهار والتي هي كذلك في حاجة الى إعادة نظر.

  • انتاجات تلفزية  لا تبتعد عن السلع المستهلكة 

ان البرامج المقدمة للجمهور هي عبارة عن سلعة مقدمة للاستهلاك دون التفكير في اثرها الحقيقي وهو امر ممنهج يشتغل عليه من قبل اصحاب القرار التلفزي لتحقيق غايات من اهمها نشر التسطيح وبسط الميوعة صلب المجتمع المشتغل عليه، جعل الجمهور التلفزي تابعا متأثرا لا واعيا وفاعلا في العملية الإنتاجية، السعي الى القضاء على الخصوصيات المحلية من اجل تحقيق منافع مادية ضيقة وإرضاء الجهات التي تدعم هذه الانتاجات على حساب مكونات المجتمع وأسسه الحقيقية.

  • الغاية من تغذية هذه الظواهر 

ان وسائل الاتصال غذت بشكل كبير وجود هذه الظواهر بل شجعت عليها وسعت الى ان تصبح من المألوف والمعتاد وقد نبه الى ذلك البعض من علماء الاجتماع كبيار بورديو، من خلال الإشارة إلى أن العالم مقبل على تغييرات جوهرية تشمل بالأساس المجالات التي تتميز بالمشهدية والإثارة على غرار إبراز قيمة الموضة واللباس والرياضة  مقابل قيمة الثقافة  والدفاع عن الشرف والعفة والتدخل عند  حصول اي اعتداء من الاعتداءات.

  • صناعات ثقافية أو إبداعية جديدة والدور الآخر المطلوب ؟

من هنا فان الصناعات الثقافية الجديدة أو الإبداعية كما هو متداول على مستوى مفهومها دخلت المعترك الاجتماعي والنفسي من الباب الكبير وأضحت من العناصر المركزية المتحكمة في الأذواق والرغبات والتوجهات عبر العديد من الأشكال والرسائل المتعددة التي يتم تلقيها .

لقد اثبت علماء الاجتماع أن لوسائل الاتصال الحديثة تأثيرا كبيرا على الجمهور المتلقي وبالخصوص الفئات الهشة التي تكون جاهزة للتلقي وبذلك تسعى من خلال ما لديها من امكانيات تقنية هائلة ومن تاثير ثقافي الى حشو المضامين برسائل تخدم غاياتها ومن اهمها رسائل العنف التي أصبحت من الصناعات المشتغل عليها في المخابر السينمائية والمؤسسات التلفزية .

  • عنف الشاشة وسطحيتها والغلبة لمن  ؟

ماهو معروض على شاشاتنا له انعكاساته المجتمعية وأثاره الآتية والمستقبلية بشكل سلبي فالعالم التلفزي الحالي تقوم رهاناته على التأكيد على قيمة المضمون وجودته من اجل تحقيق المنافسة واكتساح الفضاءات العالمية الواسعة.