تابعت البلاغ الرئاسي الصادر حول لقاء الرئيس سعيد بالسيدة بودن، والذي تضمن اشارات إلى موضوع العجز المستفحل للميزان التجاري، وما أعلنه البنك المركزي من تراجع لاحتياط النقد الأجنبي إلى 110 أيام.
وما فهمته أن الرئيس وجّه الى ضرورة منح الاولوية لاستيراد المواد الاساسية في مقابل ما يعتبر مواد كمالية..وسيدفع هذا القرار بحسب الاشارات الرئاسية دائما الى مراجعة العلاقات التجارية مع بعض الدول التي يرجح الميزان لصالحها.
ولعل الواردات التركية هنا معنية أكثر من غيرها بالموضوع، اذ كثيرا ما هوجمت هذه الواردات اعلاميا، تماما كما تهاجم تركيا وقطر، على الرغم من ان العجز مع الصين هو مثلا أكبر مرتين إلى ثلاث غالبا، ولا أحد يشير الى الحد من الواردات الصينية إلينا..بل هناك من يذهب من ساستنا الى السفير الصيني متطوعا من نفسه وحزبه ليعلن تضامنه مع وحدة الاراضي الصينية، في اشارة الى رفض انفصال تايوان عنها، بينما كان قبل يومين فقط يشيد باستقبال رئيس البوليساريو الانفصالي ولا يرى مانعا في ضرب وحدة الاراضي المغربية رغم نزعته القومية العربية أو المغاربية المزعومة.
نعود الى موضوع عجز الميزان التجاري وتراجع احتياطي العملة الصعبة، والتوجه الرئاسي لاستبدال سياسة اقتصاد "الوفرة" بسياسة اقتصاد "التقشف" لنقول ان هذا الامر سينضاف الى سلسلة المراسيم والقرارات الرئاسية التي تصاغ بطريقة انفرادية، والتي تصب في مجملها في فرض حلول أحادية للقضايا التي سبق طرحها زمن الديمقراطية ولم تفلح مؤسسات الحكم حينها في التوصل الى حلول توافقية حولها.
فمثلا اذا لم نفلح ديمقراطيا في فرض الاصلاحات الهيكلية فلنفرض تنفيذها فرضا ، واذا لم نفلح ديمقراطيا في صياغة قانون يكافح الفوضى الاتصالية فلا بأس من مرسوم يفرض عقوبات زجرية ، واذا لم نفلح في التوافق على قانون انتخابي يحقق الاستقرار السياسي فلنصدر مرسوما رئاسيا يطرح قانونا انتخابيا يتخلى بجرة قلم عن جميع المكتسبات (مرأة، شباب، مواطنونا بالخارج..الخ).
وقبل ذلك اذا تعثر النظام البرلماني فليكن الحل إلغاء دستور الجمهورية الثانية وإحلال نظام "موغل في الرئاسوية" عبر مرسوم أولا ثم عبر دستور لم يسبقنا الى كيفية صياغته وفرضه أحد في العالمين.
لوحة الـ"puzzle" بدأت تتضح للمتابع المدقق اليوم أكثر فأكثر، وبصرف النظر عن المهندس الأصلي، فإن لدي شكوكا عظيمة في أن مثل هذه الحلول الفردية القائمة على منطق "المغالبة" قادرة فعلا على تعويض الحلول الديمقراطية القائمة على الحوار والتوافق بين مختلف الأطراف المعنية.
وإن غدا لناظره قريب...